أخبار عاجلة
الرئيسية - ثقافة - طلبة برتبة أستاذة تعليم عال

طلبة برتبة أستاذة تعليم عال

سعد برغل

منذ يومين، كنت بصدد ترؤّس جلسة علمية، وكان عدد الطلبة الحاضرين عددا محترما جدّا مقارنة بعددهم في ندوات أخرى صرفت عليها الهياكل الجامعيّة أموالا كثيرة، كنت ألاحظ سلوك الطلبة:

هدوء محترم لمقام المتدخلين، أقلام تسجّل ملاحظات، كنت أبحث في العدد الطالبيّ علّي أظفر بوجه من الوجوه اليي يمكن أن تكون من إطار التّدريس، طبعا لم أظفر بأستاذ، وتساءلت عن الزملاء الذين من المفروض أن يتابعوا دورات تكوينية في الاختصاص لماذا لم يحضروا و”العرس عرسهم”؟ استغراب غبيّ صدر مني لكنّه ملحّ، ووجه الإلحاح  أنّ البعض من مدّعي الاختصاص كانوا منذ مدّة يطالبون بتنظيم مثل هذه الندوات، لكن ككلّ ندواتنا، يكثر الكلام وتكثر المطالبات ويفضّل الواحد ترشّف قهوته على مهل بمشرب الكلية على أن يستمع إلى محاضر من المغرب أو الجزائر أو فرنسا أو إلى مداخلة زميل له بالكلية وبالقسم.

وجه استغراب أوّل جعلني أتذكّر ما بشّر به وزير التعليم العالي والبحث العلمي وما استغرب من أنّ الواحد منّا، وأنا على رأس القائمة، ينخرط في التعليم العالي، ويدرّس ولا رقيب عليه، لا يعرف الواحد تاريخ آخر تكوين علميّ، فالمناهج تطوّرت ومازلنا، وأنا منهم، نعتمد منهجا مات منذ عشرات السنين، مازالت جامعتنا ترزح تحت وطأة اليومي؛ تأمين دروس يومية، تأمين امتحانات ضرورية، تأمين أعداد شفوية، تأمين إصلاح، تأمين مداولات، تأمين تنسيق موادّ، حتى إذا سألت سيدي الوزير ماهي خطّة تأهيل الجامعة التونسية سيسارع بالقول ” لقد شخّصنا الوضعية” ولنا لجان تنكبّ على اقتراح الحلول، اقترح سيدي ماشئت من الحلول ولتجتمع لجانك متى أرادت، لكنّ طلبتنا مازالوا يعانون الويلات من سياسة فرّق تسد، سياسة أنبتت معاهد بكل الجمهورية بدعوى تقريب الخدمات الجامعيّة من الطلبة، لكن هذا المقصد النبيل في ظاهره لم يكن هو المقصد، كلن تفريق الطلبة هو الهدف حتى يسهل على وزارة الداخلية التحكّم في الاحتجاجات الطلابيّة، واليوم جودتك في مهبّ الريح: مؤسسات جامعية فارغة من الطلبة، عدد موظفيها وأساتذتها أكثر بكثير من عدد الطلبة، مؤسسات تعاني من تباعد المصالح؛ معهد بحيّ ومطعم بحي آخر ومبيت بمدينة أخرى والنتيجة؛ اعتداءات متكررة على بنات الناس وأولادهم وهم أمانة في عنقك، لأن لجان الجودة تأتي للتقييم ولا تقدم لك حلاّ لأنها لا تملك القرار، ومن يملك القرار تخونه شجاعته فلا يقدّم الحلّ المطلوب ولا يسعى إلى تنفيذه.

ترأّست الجلسة وكنت أنوي رفعها مباشرة لأنّ غياب الأساتذة لن يسمح بطرح الأسئلة على المتدخّلين، ولكن التقاليد تقتضي أن تفتح باب الحوار، فتحت هذا الباب ولم أتمكن من غلقه، طلبة مقتدرون على اللغة العربية اقتدارا ممتازا، طلبة مقتدرون على طرح السؤال اقتدارا مثلجا للصدر، طلبة طرحوا أسئلة عميقة، كانوا بالنسبة إليّ مفخرة جامعيّة، كانوا في سنتهم الأولى، ومع كلّ تدخّل يتصاعد القلق وينهشني؛ هؤلاء النوابغ مقبلون على الجامعة الآن بشغف، كيف سيكونون غدا في معاهد بلا ماجستير، في معاهد بلا أساتذة تعليم عال، في معاهد بلا مخابر لغة، في معاهد لا تبلغ الواحدة المطعم إلاّ بعد أن ينتهك الصعاليك حرمتها، ولا تبلغ مبيتها إلا بعد أن يمطرها شباب زطلة بأقذع النعوت، كنت أستمتع إليهم وأنا أصرخ في وجه الوزير ومديريه العامين؛ هؤلاء أبناؤنا ولكنكم عاجزون عن حمايتهم، أبناؤنا وأنتم عاجزون عن تأمين مستقبلهم، أبناؤنا وستلقون بهم في قوارب الموت، أبناؤنا الذين يمكن أن نتباهى بهم لو كنتم أكثر شجاعة فأغلقتم معاهد ينعق فيها البوم وصرفتم أساتذة لا علاقة لهم بالتعليم العالي وقدرتهم على مواجهة تغوّل النقابات حتى أصبح عامل أكثر أهميّة في تسيير جامعاتنا من عميد منتخب.

لا يمكنني أن أعرف تقريبا عدد الجلسات التي ترأستها، لكني متأكد أنّي لم أعرف في حياتي رعبا على مستقبل طلبتنا كما عرفته في تلك الجلسة بالمعهد العالي للدراسات التطبيقية في الانسانيات بالمهدية، تجربة جديدة في تكوين المعلمين بفضاء لا يسمح بتقاسم الهواء فيه، على وجه الكراء، ينتظر طلبته منذ بعثه مقرّهم وكلّ مرّة تتأخّر الأشغال، معهد لا مخابر لغوية به، مخبر لا عدد كاف من الموظفين به، معهد به نخبة أبناء المجتمع التونسيّ،  لهم الله ولهم الوطن وللسيد الوزير ومديريه العامّين وصولات البنزين وتذاكر السّفر والسائق الخصوصيّ.

ملاحظة المحرّر: هذا التقرير هو مقال رأي، يعبّر عن رأي كاتبه.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *